تمثيلات المغرب في الخارج:
  البعثات الدبلوماسية والقنصلية المعتمدة لدى المغرب
    السفارات والقنصليات
    المنظمات الدولية والإقليمية
 
    تقرير الخمسينية حول التنمية البشرية
تقرير الخمسينية حول التنمية البشرية
 

السياق والغايات

 "...علينا أن نجعل من هذه الذكرى الذهبية للاستقلال، وقفة تاريخية لتقييم الأشواط التي قطعتها بلادنا على درب التنمية البشرية، خلال نصف قرن، بنجاحاتها وصعوباتها وطموحاتها، مستخلصين العبر من اختيارات هذه المرحلة التاريخية، والمنعطفات الكبرى، التي ميزتها، مستهدفين من ذلك ترسيخ توجهاتنا المستقبلية، على المدى البعيد بكل ثقة ووضوح، مبرزين بكل تجرد وإنصاف، الجهود الجبارة، التي بذلت لوضع المغرب على سكة بناء الدولة الحديثة. وتلكم خير وفاء للذكرى الخالدة لصانعي استقلال الوطن".

 بهذه العبارات أعطى جلالة الملك محمد السادس، في خطابه بمناسبة ذكرى 20 غشت 2003، الانطلاقة لمشروع جماعي وتشاركي للدراسة والتأمل والنقاش، يهم إنجاز تقويم استرجاعي لمسار التنمية البشرية بالمغرب، منذ الاستقلال، واستشراف آفاقها، على مدى العشرين سنة القادمة. ولقد تمت بلورة هذا المشروع في صيغة تقرير يحمل عنوان "50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب وآفاق سنة 2025".

وتتمثل الغاية الأولى من هذا المشروع في تغذية النقاش العمومي وفتحه على أوسع نطاق، حول السياسات العمومية التي يتعين تفعيلها في المستقبل القريب والبعيد، وذلك في ضوء الدروس المستخلصة من إخفاقات الماضي ونجاحاته. 

          ترتكز دوافع هذه الدعوة للنقاش على القناعات الثلاثة التالية :

·        إن مصير بلادنا يوجد بين أيدينا، فبلادنا في مفترق الطرق، وتتوافر اليوم على وسائل انخراطها الحازم في طريق طموح وطني كبير، يتقاسمه الجميع ويتمفصل حول التنمية البشرية. وللقيام بذلك يتعين المجموعة الوطنية اعتماد اختيارات منسجمة وتسريع الوتيرة وتعميق أوراش الإصلاح، وتحقيق القطيعة التامة مع الممارسات والسلوكات التي ظلت تعيق التنمية في بلادنا ؛

·        إن فضائل النقاش العمومي، لا تقدر بثمن، ولا شيء يمكن أن يعوض، في مجال تدبير الحياة السياسية جدال وتلاقح الأفكار والمفاهيم والتحاليل، طالما كان الهدف هو خدمة المشروع الوطني المتقاسم بين الجميع ؛

·        إن الممارسة الديمقراطية الموطدة، هي وحدها التي يمكن أن توجه بلادنا نحو السير الثابت على طريق النجاح. فممارستها بمثابرة، مدعمة بتحمل كل واحد منا لمسؤولياته، مع تحلي الجميع باليقظة، يجعل منها لا مجرد ترف فكري أو حلما يستحيل تحقيقه.

 يتسم هذا التقرير بكونه يتأسس على مبادئ المشاركة والتبني الوطني والاستقلالية العلمية والتحريرية، حيث انخرط في إعداده ما يفوق مائة من الكفاءات الجامعية والإدارية وفعاليات المجتمع المدني.

 إن المفهوم المحوري لهذا المشروع، يتمثل في "التنمية البشرية". وهو يوفر فرصة متميزة للإحاطة بمجموعة كبيرة من الموضوعات والأسئلة، المترابطة، في الغالب، مع بعضها البعض، مما يجعل من الصعب تناولها بمقاربات أحادية التخصص. وبذلك، فإن توظيف هذا المفهوم، حديث الاستعمال نسبيا، والذي ما يزال في طور التعميق، قد أثرى، بالتأكيد، الأشغال المنجزة، في إطار التقرير.

 أنجزت أشغال التقرير في خضم مرحلة يشهد خلالها المغرب إطلاق أوراش مهمة للإصلاح، كما تجتاز فيها بلادنا فترة تاريخية، تميزها العديد من السيرورات الانتقالية: ديمقراطية وسياسية وديموغرافية ومجتمعية واقتصادية وثقافية. إنها مرحلة التساؤلات العميقة القادرة على بلورة المشاريع الكبرى، وعلى تجديد المشروع الوطني وتسريع وتيرة التنمية البشرية ببلادنا.

 وفي هذا الصدد، فإن التقرير ظل يستحضر الأبعاد المحددة للتنمية البشرية التي تعتبر بدورها محددة ليس فقط بالرهانات والاختيارات السياسية ولكن أيضا بالسياقات المختلفة والظرفيات الداخلية والخارجية التي تشرط هذه الاختيارات. وهكذا فإن محاولة القيام بقراءة لماضينا وتاريخنا في ضوء المرجعية القانونية والإثنية والمفاهيمية، المتداولة اليوم، دون مراعاة الطابع النسبي للسياسات العمومية، بالنظر إلى مختلف سياقاتها وتياراتها التنموية المعتمدة، حين بلورتها ؛ إن عدم الأخذ في الاعتبار كل ذلك كان من الممكن أن ينزلق بالتقرير في اتجاه عدم الإنصاف والوفاء بالأمانة إزاء الفاعلين في تلك الحقبة.

 يقترح تقرير "50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب وآفاق سنة 2025" قاعدة معرفية مدعمة بالدلائل والحجج، لتغذية النقاش، مع استخلاص العبر والدروس من التجربة الماضية للبلاد، ومقترحا بعض مسالك التفكير لاستشراف العقدين المقبلين. ولذلك فهو يتوخى مساهمة وطنية، تحركها الروح الوطنية ومراعاة شروط الموضوعية.

 وتتمثل رسالته الرئيسية في التأكيد على أنه بفضل هذه النظرة التأملية في نصف قرن الماضي، سيكون بإمكان المغرب، المتصالح مع نفسه ومع ماضيه، والقوي بنجاحاته المحرزة، والمستفيد من العبر المستخلصة من إخفاقاته، والمعتمد على نسائه ورجاله وشبابه وقدمائه ؛ أن يسلك، بكل ثقة وطمأنينة، السبيل الواعد لتنمية بشرية أفضل.